الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

343

تبصرة الفقهاء

المشروعية إدخال في الدين ما ليس منه ، بل لو لم يعتقد مشروعيته إذا فعله بصورة المشروع لا يبعد تحريمه ؛ مدفوع بما عرفت من انتفاء البدعة مع قصد الحائطة ؛ إذ ليس ذلك إدخالا في الدين ما ليس منه بل إنّما يؤتى به من جهة احتماله لمصادفة ما ثبت في الدين . كيف ، وما ورد في الأخبار من الأمر بالاحتياط قاض بتعلّق الطلب به ، ومع تعلّق الأمر به لا يعقل توهّم البدعة . قلت : ليس المقصود في الاحتجاج المذكور الاستناد إلى المنع من استعماله في الوضوء ونحوه ، بل المراد المنع منه في الشرب ونحوه ؛ إذ من الواضح حرمة شرب النجس في نفسه ولا يعلم الاجتناب عنه إلّا مع الاجتناب عن الأمرين . ومن ناقش فيه من المتأخرين ناقش في المقامين . وأمّا المنع من استعمال كلّ منهما في الطهارات فله وجه آخر يأتي إن شاء اللّه القول فيه . وما يقال من أنّه إنّما دلّ الدليل على وجوب الاجتناب عنه مع العلم بالنجاسة ، وأمّا مع الجهل بها فلا دليل على وجوبه « 1 » مدفوع بأنّ الأحكام ثابتة للواقع من دون مدخليّة في ثبوتها للعلم والجهل كما هو ظاهر الإطلاقات . غاية الأمر قيام الدليل من العقل والنقل على عدم وجوب البناء « 2 » عليه من دون العلم رأسا ؛ إذ مع الاشتباه بغير المحصور فيبقى محلّ البحث مندرجا تحت القاعدة . نعم ، قد يتوهّم بناء الشرع في ثبوت النجاسة مع العلم دون الواقع . وهو ضعيف لما عرفت . وقد فصّلنا القول فيه في محلّ آخر . وما يتخيّل من دلالة العمومات على البناء على الحلّ حتّى تعرف الحرام بعينه ، والبناء على الطهارة في الأشياء وفي خصوص الماء حتّى يعلم النجاسة غير متّجه ؛ إذ المستفاد من تلك الأخبار غير صورة الاشتباه بالمحصور كما يعرف من إرجاع تلك العبارات إلى العرف .

--> ( 1 ) في ( ألف ) : « وجوب » . ( 2 ) في بعض النسخ : « الدليل » .